إن الحداثة كمصطلح يُطلق على التطور الفكرى الذى عاشته أوروربا فى مختلف المجالات بعد تحررها من سيطرة الكنيسة ، وصاحبه صياغة فكر جديد فى الإقتصاد والإجتماع والسياسة أدى إلى نهضة شاملة فى الغرب نتج على أثرها تقدم مادى . وكثيراً مايطرح العلمانيون مسألة الحداثة مقابل الإسلام ، ويقولون إن الإسلام الذى نزل منذ 1400 عام لايمكن أن يتماشى مع الحداثة وهم بذلك يعتبرون الحداثة هى المقياس الذى يقاس به صحة الأفكار أو خطئها. وفى سياق الرد على العلمانيين يذهب عدد لابأس به من أبناء الأمة يدفعهم حبهم للإسلام محاولين دحض هذا الإتهام عن الإسلام بأنه لايتماشى مع الحداثة ، فيحاولون التوفيق بين الأفكار الرأسمالية التى صاغها الغرب بناءاً على وجهة نظره فى الحياة وبين الإسلام . فوجدت مصطلحات مثل البنوك الإسلامية وكل أنواع المعاملات المالية التى إنبثقت عن وجهة النظر الغربية فى الحياة كالبورصات وغيرها والديمقراطية الإسلامية أو عند من سماها "الشيروقراطية". إن كلا الفريقين لم يستطيعا التفريق بين الأشكال المادية للحياة وبين الأفكار والمفاهيم عنها ، فأدى هذا إلى الخطأ فى بحث عامل الزمن كمقياس على صحة الفكر أو خطئه .
فهل يلعب عامل الزمن دوراً فى صلاحية أو عدم صلاحية المبدأ ؟ إذا نظرنا نظرة دقيقة لوجدنا أن الإنسان الذى يعيش الأن هو نفسه الإنسان الذى عاش قبل 1400 عام ، فالإنسان فى قديم الزمان به حاجات وغرائز هى نفسها التى توجد عند الإنسان الحاضر وتحتاج إلى إشباعها وهذا يعنى أنها تحتاج إلى أفكار تنظم هذا الإشباع أى إلى مفاهيم عن الحياة ، أما وسائل الإشباع نفسها فهى من الأشكال المادية التى تتطور فإن كان الإنسان يأكل قديماً مستخدماً أوانى بدائية فهو يستطيع اليوم أن يأكل فى أوانى معدنية متطورة ، وإن كان قديماً يسافر بالوسائل البدائية فهو يسافر اليوم بالطائرة وغيرها وهكذا يظهر أن الأشياء المادية فى الحياة هى التى تتطور أما الإنسان من حيث هو إنسان فلايتغير.
إن صحة الأفكار لاتتأثر بعامل الزمن، فإذا إستطاع الإنسان أن يقطع بصحة فكرة فإن هذه الفكرة تبقى صحيحة مهما إعتراها من الزمن ، وإذا نظرنا إلى فكرة فصل الدين عن الدولة التى إنبثقت عنها أفكار الحداثة فنجد أنها كانت ردة فعل على الواقع السىء الذى عاشته أوروربا تحت ظلم الكنيسة ولم يكن هذا الفكر نتيجة بحث مستنير فى الحياة والإنسان والكون ، ولهذا نجد هذا الفكر متأثراً فى كل جزئياته بهذا الماضى الأليم الذى عانى منه الغرب فنجدهم يستحسنوا الديمقراطية كنظام حكم بصرف النظر عن قدرتها على الحكم أم لا ، ونجدهم فى نظرتهم للملكية أنهم يقولون بحرية التملك كردة فعل على مافعله رجال الإقطاع دون التفكر فى صحة هذا الفكر إن كان يضمن توزيع الثروة بين الناس أم لا ويقولون بمساواة الرجل والمرأة بصرف النظر عن إن كانت هذه الفكرة صحيحة أم لا ، وكل هذا إنطلاقاً من ماضيهم الأليم الذى عانت فيه المرأة أشد أنواع الإضطهاد حتى أنها لم تكن تُعتبر إنسان .
هذه بعض النماذج على فكر الحداثة الذى نشأ كردة فعل على الواقع السىء الذى عاشته أوروبا فى عصورها المظلمة وقد أدخلها هذا الفكر فى هذا الزمن الحديث فى أزمات على كل المستويات ، أزمات فكرية تعلقت بحقيقة الوجود والغاية من الحياة ، وأزمات إقتصادية وأخرى متعلقة بنظام حكمها الديمقراطى ومجتمعها .
وبالعودة إلى الإسلام نرى أن الإسلام قد نظر إلى الإنسان بوصفه إنساناً فأتى بعقيدة تخاطب العقل فيؤمن بها وبناءً على هذه العقيدة إنبثقت كل معالجات الإنسان التى نظرت إليه نظرة صحيحة إنطبقت على واقعه دون تأثر بأى عامل زمنى لأن الإنسان كما قلنا لايتغير بتغير الزمن وبالتالى المعالجات التى يحتاجها لاتتغير فما كان منها صواباً ويتطابق مع الطبيعة التى خُلق عليها الإنسان تبقى صحيحة ولو مرت عليها ملايين السنيين .
ولأن الإسلام قد أتى للإنسان من خالقه ولم يكن ردة فعل على الواقع يبقى صالحاً للتطبيق فى كل زمان ومكان لأنه تعلق بالإنسان وأتى من أجله بصرف النظر عن لونه وعرقه ودينه وهذا مايجعل الإسلام عالمياً قابلاً للتطبيق فى كل الأزمنة والأمكنة ، أما العلمانية وأفكار الحداثة التى إنبثقت عنها قد أتت متأثرة بالماضى الذى سبقها وكانت ردة فعل عليه لهذا لايمكن أن تُطبق على أى أمة من الأمم وتفترض فى من يقبلها أن يكون ضحية العصور المظلمة وماحملت من آلام للإنسان ومن هنا كانت خصوصية العلمانية ، فهى لاتصلح لأى أمة ولايمكن أن تنبثق عنها حضارة عالمية لهذا فشل الغرب فى فرض حضارته على المسلمين سواء بالترغيب أو بالترهيب وكانت الأمة الإسلامية عقبة كأداء إرتدت على أعتابها كل محاولات العلمانية من إختراق العقل المسلم ، وفى المقابل إستطاع الإسلام أن يخترق المجتمعات العلمانية ليقنع عقول معتنقيها ليتحولوا إلى الإسلام عن رضا وإختيار بالرغم من المحاولات الشديدة التى يقوم بها الغرب من تشويه متعمد للإسلام. وبعد فشل الحداثة وأزمة الفكر الذى نتج عنها يجب على المسلمين أن يطرحوا الإسلام بوصفه عالمياً وأنه البديل للبشرية التى ضلت طريقها فى البحث فيما بعد الحداثة.





أضف تعليقك